حماية المستهلك بالمغرب…المطلوب منظومة تراقب السوق قبل أن تصل كلفته إلى جيب المواطن

0

بقلم شعيب الدريوش

لم تعد حماية المستهلك في المغرب مرتبطة فقط بالتعامل مع ارتفاع أسعار بعض المواد أو تسجيل شكايات بشأن جودة السلع والخدمات، بل أصبحت مرتبطة بمدى قدرة المنظومة العمومية على استباق الاختلالات داخل السوق، وضمان وضوح المعلومة، وحماية المواطن من الممارسات التي قد ترفع كلفة المعيشة بشكل غير مبرر.

هذا البعد يبرز بقوة في ظل الظرفية الاقتصادية والاجتماعية الحالية، التي جعلت القدرة الشرائية واحدة من أكثر القضايا التصاقاً بالحياة اليومية للأسر. وفي هذا السياق، وضعت الجامعة الوطنية لجمعيات المستهلك مجموعة من المقترحات أمام الحكومة المقبلة، معتبرة أن حماية المستهلك ينبغي أن تتحول إلى سياسة عمومية مستدامة، بدل أن تظل مرتبطة بتدخلات ظرفية كلما ارتفعت الأسعار أو ظهرت أزمة في سوق معين.

ومن بين أبرز الأولويات المطروحة، إرساء آليات أكثر استباقية لرصد تطور الأسعار، والتدخل عند تسجيل ارتفاعات غير مبررة، مع تقييم مدى فعالية الإجراءات الحكومية ومدى استفادة الفئات المستهدفة منها. كما تطرح الجامعة ضرورة مواجهة الاحتكار والمضاربة والممارسات المنافية للمنافسة، وتقليص حلقات الوساطة غير الضرورية التي قد تنعكس في النهاية على السعر الذي يؤديه المستهلك.

ويكتسي ملف المحروقات أهمية خاصة في هذا النقاش، بالنظر إلى أن تأثير أسعارها لا يتوقف عند محطة الوقود، بل يمتد إلى تكاليف النقل والإنتاج والتوزيع، وبالتالي إلى أسعار عدد كبير من السلع والخدمات. ومن هنا تأتي الدعوة إلى تعزيز الشفافية بشأن مكونات السعر النهائي، وتكاليف الاستيراد والتخزين والتوزيع وهوامش مختلف المتدخلين، حتى يصبح المواطن والرأي العام أمام معطيات واضحة تفسر تحولات الأسعار.

لكن حماية المستهلك لا تتعلق بالأسعار وحدها. فالقطاعات التي تمس الحياة اليومية للمواطن، من الصحة والأدوية والتأمين إلى التعليم والنقل والماء والكهرباء والاتصالات والإنترنت والخدمات البنكية، تحتاج بدورها إلى قواعد أكثر وضوحاً بشأن الجودة والسعر وحقوق الزبون وآليات معالجة الشكايات والإنصاف.

وفي ظل توسع التجارة الإلكترونية والمنصات الرقمية، يبدو أن مفهوم المستهلك نفسه تغير، وهو ما يفرض تطوير أدوات الحماية لتواكب هذا التحول. فالمواطن الذي يشتري عبر منصة رقمية يحتاج إلى ضمانات واضحة بشأن مطابقة المنتج، والإرجاع واسترداد الأموال، وصحة الإعلانات، وحماية معطياته الشخصية، فضلاً عن مواجهة الممارسات التجارية المضللة.

وتطرح هذه التحولات أيضاً سؤالاً تشريعياً ومؤسساتياً، في مقدمتها استكمال الإطار القانوني المرتبط بالقانون رقم 31.08، وتطوير الوساطة والتسوية الودية، وتحسين معالجة الشكايات ووسائل جبر الضرر، إلى جانب تعزيز التشاور المؤسساتي مع جمعيات المستهلك ودعم خدمات القرب التي تقدمها شبابيك المستهلك.

وفي المحصلة، فإن الرهان الحقيقي لا يبدو في كيفية التدخل بعد وقوع الضرر فقط، وإنما في بناء سوق تقل فيه فرص وقوعه أصلاً؛ سوق تكون فيه المعلومة متاحة، والمنافسة فعلية، والأسعار قابلة للفهم، والجودة خاضعة للمراقبة، وحقوق المستهلك قابلة للممارسة والإنصاف.

فالمستهلك لا يحتاج فقط إلى إجراءات لاحتواء ارتفاع الأسعار عندما تصبح أمراً واقعاً، بل إلى منظومة تجعل حماية قدرته الشرائية وجودة ما يقتنيه ووضوح ما يؤديه جزءاً ثابتاً من السياسة العمومية، لا مجرد استجابة مؤقتة للظروف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.