حميد برادة.. من حكم الإعدام والمنفى إلى واحد من أبرز أصوات الصحافة المغربية
مسار حافل جمع بين المعارضة والسياسة والصحافة والحوار مع كبار الشخصيات في المغرب والعالم
رحل الصحافي المغربي حميد برادة عن عمر ناهز 87 سنة، تاركاً وراءه مساراً مهنياً وسياسياً استثنائياً، امتد من سنوات المعارضة في ستينيات القرن الماضي إلى عقود طويلة من العمل الصحافي والحوار مع شخصيات طبعت تاريخ المغرب والمنطقة.
ولد برادة سنة 1939 بطنجة، وسط أسرة تنحدر من فاس، قبل أن ينخرط في شبابه في العمل الطلابي والسياسي، حيث تولى رئاسة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، في مرحلة اتسمت بتوتر سياسي كبير داخل البلاد.
وكانت مواقفه خلال تلك المرحلة سبباً في اعتقاله ومحاكمته، قبل أن يصدر في حقه حكم بالإعدام على خلفية مواقفه المرتبطة بحرب الرمال بين المغرب والجزائر سنة 1963. وقد قاده ذلك إلى مغادرة المغرب والعيش في المنفى، قبل أن يعود إلى البلاد سنة 1978.
من المعارضة إلى الصحافة
بعد سنوات النشاط السياسي، اختار برادة الابتعاد عن العمل الحزبي والتفرغ للصحافة، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته المهنية داخل مجلة “جون أفريك”، حيث تدرج في المسؤوليات إلى أن تولى رئاسة التحرير.
ولم تقتصر تجربته على الصحافة المكتوبة، إذ اشتغل أيضاً في مجال التعليم الجامعي بكندا، وارتبط اسمه لاحقاً بالبرنامج الحواري التلفزيوني “Mais encore?” على القناة الثانية المغربية، الذي استضاف من خلاله شخصيات سياسية وفكرية وثقافية.
وقد أكد برادة في مناسبات سابقة أنه، بعد ابتعاده عن السياسة، وجد في الصحافة مساحة أوسع للتعبير وطرح الأسئلة بعيداً عن قيود العمل السياسي.
حوار تاريخي مع الحسن الثاني
من أبرز محطات مساره المهني، إجراؤه حواراً مع الملك الراحل الحسن الثاني، في لقاء وصف بأنه الأول من نوعه بين العاهل المغربي وصحافي مغربي.
وتناول الحوار ملفات سياسية وقضايا مرتبطة بالمغرب والمنطقة والصحراء والعلاقات مع دول الجوار، ليصبح برادة واحداً من أبرز الصحافيين الذين تركوا بصمتهم في مجال الحوار السياسي بالمغرب.
كما التقى خلال مسيرته عدداً كبيراً من الشخصيات السياسية والفكرية، من بينها عبد الله العروي، عبد الرحمان اليوسفي، أحمد بن بلة، حسين آيت أحمد، ليوبولد سيدار سنغور، الفقيه البصري، عبد الرحيم بوعبيد وأسماء أخرى من المغرب وإفريقيا والعالم العربي.
ذاكرة سياسية وشخصية
لم يكن مسار برادة منفصلاً عن التحولات السياسية الكبرى التي عرفها المغرب خلال النصف الثاني من القرن العشرين، فقد عاش الاعتقال والمنفى والحكم بالإعدام، كما حملت حياته الشخصية آثاراً عائلية مرتبطة بمرحلة ما بعد الاستقلال.
وفي سياق عمل هيئة الإنصاف والمصالحة، شارك برادة في جلسات داخلية واستمع أعضاء الهيئة إلى شهادته حول والده عبد القادر برادة، الذي اختفى في سياق الاضطرابات والصراعات السياسية التي عرفتها البلاد بعد الاستقلال.
وقد شكلت تلك المرحلة واحدة من أكثر المحطات تأثيراً في سيرته، بالنظر إلى تداخل التجربة الشخصية مع التاريخ السياسي للمغرب.
إرث صحافي موثق
قبل رحيله، صدر الجزء الأول من مختارات حوارات حميد برادة في كتاب تجاوز 700 صفحة، جامعاً عدداً من مقابلاته التي نشرها خصوصاً في مجلة “جون أفريك” بين 1977 و2012.
ويضم الكتاب حوارات مع شخصيات سياسية وفكرية وثقافية بارزة، ما جعله وثيقة تجمع شهادات متعددة حول مراحل مختلفة من تاريخ المغرب والمغرب العربي والعالم.
وهكذا، انتقل حميد برادة من مرحلة كان فيها معارضاً سياسياً محكوماً بالإعدام إلى صحافي جعل من الحوار وسيلة لتوثيق الذاكرة السياسية والفكرية، تاركاً وراءه أرشيفاً من المقابلات والكتابات التي ستظل جزءاً من تاريخ الصحافة المغربية.