حين تتحول الوظيفة إلى دوامة من الاجتماعات والتقارير.. باحثان يرصدان «الغباء» في بيئة العمل

0

إجراءات متكررة، أدوات رقمية معطلة ومهام بلا جدوى.. لماذا يجد الشباب أنفسهم أمام عراقيل يومية داخل المؤسسات؟

لم يعد الإحساس بأن بعض تفاصيل الحياة المهنية تستهلك الوقت دون فائدة مجرد انطباع فردي لدى الموظفين، بل أصبح موضوعاً يحظى باهتمام الباحثين في مجال الإدارة والتنظيم.

وفي هذا السياق، يشتغل الباحثان هيلين مونيي وتوماس سيمون على دراسة مفهوم أطلقا عليه «الغباء في العمل»، في محاولة لفهم الممارسات التي تجعل الموظف عاجزاً عن أداء مهمته بالشكل المطلوب، رغم توفره على الكفاءة والوسائل اللازمة.

وتشمل الأمثلة التي يطرحها الباحثان اجتماعات متكررة لا تنتج عنها قرارات واضحة، وتقارير متشابهة تُطلب أكثر من مرة، وإجراءات إدارية معقدة، إلى جانب برامج معلوماتية لا تؤدي الغرض المطلوب، فضلاً عن ممارسات رقابية تركز على الحضور أكثر من النتائج.

الشباب في قلب الدراسة

ركزت الدراسة على فئة من الشباب الذين يجمعون بين الدراسة والتكوين المهني داخل المؤسسات، حيث جرى استطلاع آراء 196 طالباً في تخصصات علوم الإدارة والتسيير، وجُمعت منهم 295 إجابة حول أكثر الممارسات التي يعتبرونها غير منطقية أو عديمة الجدوى في تجاربهم المهنية.

ويرى الباحثان أن هذه الظاهرة ليست جديدة تماماً، إذ سبق أن تناولتها دراسات ومفاهيم مختلفة، من بينها «الوظائف العبثية» و«العمل الممنوع» و«الغباء الوظيفي». غير أن الجديد، بحسب الباحثين، يرتبط بتوسع هذه الممارسات وانتشارها بشكل أكبر داخل المؤسسات، بالتزامن مع التحول الرقمي المتسارع.

عندما تصبح القواعد أهم من الهدف

تتمثل المشكلة، وفق هذا الطرح، في أن الموظف قد يجد نفسه مطالباً باحترام سلسلة من الإجراءات والقواعد دون أن يكون واضحاً دائماً ما الذي تضيفه إلى العمل الفعلي.

ومع مرور الوقت، يمكن أن تتحول بعض هذه الممارسات إلى عادات مؤسساتية يصعب التشكيك فيها، فيصبح تنفيذ الإجراء أهم من البحث عن مدى ضرورته أو فائدته.

وتشير الأدبيات الإدارية السابقة إلى أن ما يسمى بـ«الغباء الوظيفي» قد يرتبط أيضاً بتراجع التفكير النقدي داخل المؤسسة، عندما يتوقف العاملون عن طرح الأسئلة حول أسباب القرارات والإجراءات، ويكتفون بتنفيذها باعتبارها جزءاً من النظام الداخلي.

مخاطر خاصة على الموظفين الشباب

ويحذر الباحثان من أن الاعتياد على هذه الأوضاع منذ بداية المسار المهني قد يؤثر في نظرة الشباب إلى العمل، خصوصاً عندما يشعر الموظف بأن قدرته على المبادرة أو تحسين طرق العمل محدودة بسبب إجراءات لا يرى لها فائدة مباشرة.

ومن هنا، تبرز أهمية إعطاء العاملين مساحة أكبر للتفكير واقتراح البدائل، وربط الإجراءات بالأهداف الفعلية للمؤسسة، بدل تحويلها إلى مجرد عادات يصعب تغييرها.

وتنتمي هذه المقاربة إلى نقاش أوسع في علم الإدارة حول العلاقة بين التفكير النقدي، التنظيم الداخلي، ومعنى العمل بالنسبة إلى الموظفين، وهي قضايا تناولتها أيضاً أبحاث سابقة حول مفهوم «الغباء الوظيفي» وتأثيره في المؤسسات.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.