المنصوري تقود الحكومة.. تعيين يفتح أسئلة جديدة حول مستقبل المشاركة السياسية للنساء
من رمزية أول امرأة على رأس الحكومة إلى اختبار الأداء والتمثيلية والمناصفة داخل المؤسسات
لم يعد وصول امرأة إلى موقع رئاسة الحكومة في المغرب مجرد حدث رمزي مرتبط بالتمثيلية النسائية، بل أصبح مناسبة لإعادة طرح عدد من الأسئلة المرتبطة بطبيعة المشاركة السياسية للنساء، ودور الأحزاب في صناعة القيادات، وحدود التحول الذي يمكن أن تحدثه مثل هذه الخطوة داخل المجتمع والدولة.
ويقرأ الكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس، في مقال له، تعيين فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة باعتباره محطة سياسية ذات أبعاد متعددة، تتجاوز مسألة تغيير الشخص الذي يقود الجهاز التنفيذي، لتصل إلى صورة المرأة داخل مواقع القرار وإلى العلاقة بين التحولات التي تقودها الدولة وتلك التي يطالب بها المجتمع.
انتقال من المطالبة بالحقوق إلى ممارسة السلطة
ويربط كوكاس هذا التطور بمسار طويل عرفته قضية المرأة في المغرب، انتقلت خلاله المطالب من الدفاع عن الحقوق الأساسية والمساواة القانونية إلى المطالبة بحضور فعلي داخل المؤسسات ومراكز اتخاذ القرار.
ومن هذا المنظور، فإن تولي امرأة رئاسة الحكومة يمثل، حسب صاحب المقال، انتقالاً لافتاً في طبيعة النقاش، بعدما أصبح السؤال لا يتعلق فقط بمدى تمتع النساء بحقوقهن، وإنما أيضاً بمدى حضورهن في المواقع التي يتم فيها رسم السياسات واتخاذ القرارات.
الأحزاب أمام امتحان المشاركة النسائية
ويضع المقال الأحزاب السياسية في صلب هذا النقاش، خاصة في ظل استمرار التفاوت بين الخطاب المعلن حول المناصفة والمساواة وبين واقع التمثيلية النسائية في مواقع القيادة.
ويرى الكاتب أن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة يطرح على التنظيمات السياسية مسؤولية أكبر في إنتاج قيادات نسائية قادرة على الوصول إلى مواقع القرار، بدل أن تبقى المناصفة مجرد شعار حاضر في البرامج والخطابات.
عندما يأتي التحول من أعلى هرم الدولة
ومن بين الأفكار التي يتوقف عندها المقال، العلاقة بين المبادرات المؤسساتية والتحولات الاجتماعية.
ففي الوقت الذي تحتاج فيه بعض التحولات إلى وقت طويل حتى تجد طريقها داخل المجتمع والأحزاب، يمكن للقرار السياسي والمؤسساتي أن يسرع وتيرتها. ويضع الكاتب تعيين المنصوري ضمن هذا السياق، باعتباره خطوة قد تدفع النقاش حول مشاركة النساء إلى مستوى جديد.
غير أن هذا التحول، بحسب القراءة ذاتها، لا يلغي الدور الذي لعبته الحركات النسائية والمدنية والحقوقية في الترافع من أجل توسيع حضور المرأة في الحياة العامة.
المنصوري أمام معيار مختلف عن الرمزية
ويؤكد المقال أن القيمة الحقيقية للتجربة لن تحسمها رمزية كون رئيسة الحكومة امرأة، وإنما ستتحدد من خلال الأداء الحكومي والقرارات والنتائج.
وبمعنى آخر، فإن تجربة المنصوري ستكون مطالبة بالخروج من دائرة الرمزية إلى دائرة المسؤولية التنفيذية، حيث يصبح معيار التقييم مرتبطاً بالسياسات العمومية والإنجازات وطريقة تدبير الملفات المطروحة.
هل تتوسع المشاركة لتشمل نساء من خارج النخبة؟
ويطرح الكاتب أيضاً مسألة أوسع تتعلق بمدى قدرة هذه السابقة على فتح الطريق أمام نساء من مختلف الفئات والمناطق الاجتماعية للوصول إلى مواقع المسؤولية.
فالتحدي، وفق هذه الرؤية، لا يتمثل فقط في وجود امرأة واحدة في قمة الهرم التنفيذي، وإنما في جعل حضور النساء داخل المؤسسات السياسية والإدارية أمراً عادياً ومستداماً، بما يتيح ظهور قيادات جديدة من خلفيات متنوعة.
المناصفة ليست مجرد حضور داخل المؤسسات
ويذهب المقال إلى أن تعزيز مشاركة النساء لا يمكن فصله عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر في حضورهن في المجال العام.
وتبرز هنا قضايا مثل الاستقلال الاقتصادي، وخدمات الرعاية، والحضانات، والصحة، والنقل، وظروف العمل، باعتبارها عوامل يمكن أن تؤثر بشكل مباشر في قدرة النساء على المشاركة في الحياة السياسية والمهنية.
بداية مرحلة جديدة أم محطة رمزية؟
في نهاية المطاف، يضع المقال تجربة المنصوري أمام اختبار يتجاوز لحظة التعيين نفسها، إذ ستكون المرحلة المقبلة مرتبطة بكيفية تشكيل الحكومة، واختياراتها، وأولوياتها، وقدرتها على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية.
وبذلك، يظل وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة حدثاً سياسياً ذا حمولة رمزية، لكن دلالته الأوسع ستتوقف على ما ستفرزه التجربة من تحولات فعلية في حضور النساء داخل مواقع القرار وفي طبيعة الممارسة السياسية بالمغرب.