إعداد : محمد مصور
تواجه حكومة المنصوري في مشروع قانون المالية لسنة 2027 تحدياً بنيوياً حاسماً في معركتها المستمرة ضد غلاء المعيشة، مراهنةً هذه المرة على هندسة جديدة لسلاسل التوريد الفلاحي عبر إحداث 6 شركات جهوية للتوزيع في الأحواض الإنتاجية الكبرى بالمملكة بسوس، وتادلة، والغرب، واللوكوس، ودكالة عبدة، والجهة الشرقية. وتسعى هذه الخطة، التي تبدو واعدة على الورق، إلى معالجة المفارقات الصادمة في أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية؛ حيث تتضاعف أسعار المنتجات الفلاحية بمرات عدة بين أسواق الإنتاج (مثل إنزكان) وأسواق الاستهلاك الكبرى كالدار البيضاء والرباط، نتيجة لتعدد حلقات الوساطة غير المنتجة والإنزال العشوائي “للشناقة” في المسار الرابط بين الضيعة والمستهلك.
ولتحقيق هذه الغاية دون السقوط في فخ “الاحتكار المؤسساتي”، تؤكد الأدبيات المرجعية للمشروع الحكومي أن هذه الشركات الجهوية لن تمارس التجارة بمفهومها التقليدي القائم على الشراء وإعادة البيع، بل ستضطلع بدور منصات لوجستية متطورة تقدم خدمات التجميع، الفرز، التلفيف، التبريد، والنقل لفائدة الفلاحين والتعاونيات الفلاحية. هذا النموذج الخَدَماتي يهدف بالأساس إلى تمكين المنتجين الصغار والمتوسطين من ولوج مباشر إلى الأسواق عبر آليتين تضمنان الشفافية؛ أولاهما البيع بالمزاد العلني داخل المنصات، وثانيتهما التعاقد المباشر مع شبكات التوزيع الحديثة والمجازر والمصانع الغذائية، وهو ما يمثل استجابة ملموسة للالتزام الانتخابي الذي قطعه حزب “الجرار” في ميثاق القدرة الشرائية.
وفي محاولة لتحصين هذا الورش الإستراتيجي، ربطت الحكومة إحداث هذه الشركات بحزمة إصلاحات موازية ومتكاملة؛ تبدأ بإصلاح أسواق الجملة وفصل الجبايات عن إلزامية المرور المادي عبرها، وتمر عبر إرساء نظام وطني رقمي للمعلومات يتتبع الأسعار بدقة من الضيعة إلى الجملة وصولاً إلى التقسيط عبر الفوترة الرقمية ورصد المخزون، وتنتهي بوضع مخططات موسمية صارمة لتأمين إمدادات 7 مواد استراتيجية هي الحبوب، والبطاطس، والبصل، والطماطم، واللحوم الحمراء، والسردين، وزيت الزيتون، لقطع الطريق أمام سيناريوهات الخصاص والاحتكار.
ورغم هذه النبرة التفاؤلية المحاطة بضمانات دفتر التحملات الموحد والافتحاص السنوي، فإن أوساط المتتبعين والخبراء يطرحون علامات استفهام جوهرية حول الهندسة الإجرائية للمشروع، وتحديداً حول طبيعة تموقع هذه الشركات بين خيارين لا ثالث لهما؛ فإما أن تتعامل مباشرة مع الفلاح في الضيعة وتوجه المنتجات رأساً إلى أسواق الاستهلاك، مما يعني سحب البساط عملياً من أسواق الجملة التقليدية والدخول في صدام مباشر مع المصالح الجبائية لوزارة الداخلية والمنتخبين المحليين، وإما أن تُجبر – تحت ضغط التوازنات والنفوذ – على الشراء من أسواق الجملة القائمة، لتتحول آنذاك موضوعياً إلى “وسيط إضافي” مقنن يضيف تكاليف وهوامش ربح جديدة فوق كاهل المستهلك. وبناءً عليه، يظل نجاح هذه التجربة رهيناً بقوة الإرادة السياسية في فرض “القطيعة الهيكلية” مع منظومة الريع التوزيعي، وتحويل هذه الشركات إلى قنوات تواصل لوجستية حرة، لا إلى واجهات مؤسساتية تعيد إنتاج الهيمنة على حساب الفلاح البسيط والقدرة الشرائية للمواطن المغربي.